السيد الطباطبائي

260

تفسير الميزان

وفي الاتيان بقوله : " خلق " مبنيا للمفعول وترك ذكر الفاعل وهو الله سبحانه إيماء إلى ظهور أمره ، ونظيره قوله : " خلق من ماء " الخ . قوله تعالى : " خلق من ماء دافق " الدفق تصبب الماء وسيلانه بدفع وسرعة والماء الدافق هو المني والجملة جواب عن استفهام مقدر يهدي إليه قوله : " مم خلق " . قوله تعالى : " يخرج من بين الصلب والترائب " الصلب الظهر ، والترائب جمع تريبة وهي عظم الصدر . وقد اختلفت كلماتهم في الآية وما قبلها اختلافا عجيبا ، والظاهر أن المراد بقوله : " بين الصلب والترائب " البعض المحصور من البدن بين جداري عظام الظهر وعظام الصدر ( 1 ) . قوله تعالى : " إنه على رجعه لقادر " الرجع الإعادة ، وضمير " إنه " له تعالى واكتفى بالاضمار مع أن المقام مقام الاظهار لظهوره نظير قوله : " خلق " مبنيا للمفعول . والمعنى أن الذي خلق الانسان من ماء صفته تلك الصفة ، على إعادته واحيائه بعد الموت - واعادته مثل بدئه - لقادر لان القدرة على الشئ قدرة على مثله إذ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد . قوله تعالى : " يوم تبلى السرائر " ظرف للرجع ، والسريرة ما أسره الانسان وأخفاه في نفسه ، والبلاء الاختبار والتعرف والتصفح . فالمعنى يوم يختبر ما أخفاه الانسان وأسره من العقائد وآثار الأعمال خيرها وشرها فيميز خيرها من شرها ويجزى الانسان به فالآية في معنى قوله تعالى : " إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله " البقرة : 284 . قوله تعالى : " فما له من قوة ولا ناصر " أي لا قدرة له في نفسه يمتنع بها من عذاب الله ولا ناصر له يدفع عنه ذلك أي لا قدرة هناك يدفع عنه الشر لا من نفسه ولا من غيره . قوله تعالى : " والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع " إقسام بعد إقسام لتأكيد أمر القيامة والرجوع إلى الله . والمراد بكون السماء ذات رجع ما يظهر للحس من سيرها بطلوع الكواكب بعد

--> ( 1 ) وقد أورد المراغي في تفسيره في ذيل الآية عن بعض الأطباء توجيها دقيقا علميا لهذه الآية من اراده فليراجعه .